طرح المستشار السياسي لرئيس الجمهورية جوزيف عون، جان عزيز، مقاربة لمسار الاتفاق بين لبنان وإسرائيل ومستقبل سلاح حزب الله، محذرًا من أن تعثّر الانسحاب الإسرائيلي واستمرار العمليات العسكرية قد يقودان إلى نتيجة معاكسة للهدف المعلن من الاتفاق، عبر توفير حجج جديدة لحزب الله للتمسك بسلاحه.
وفي مقال نشره موقع Just Security تحت عنوان Don’t Let Lebanon’s Peace Agreement Prove Hezbollah Right، ينطلق عزيز من تعثّر المحادثات الأخيرة التي جرت بوساطة أميركية في روما، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق على توسيع "المناطق التجريبية" التي يُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية ويتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها.
وبحسب عزيز، تطالب إسرائيل بأن يثبت الجيش اللبناني قدرته على فرض السيطرة الفعلية في المناطق التي تسلمها، بالتوازي مع إحراز تقدم في ملف نزع سلاح حزب الله، قبل الانسحاب من أراضٍ إضافية. في المقابل، يقوم الموقف اللبناني، كما يعرضه، على أن الجيش لا يستطيع الانتشار الكامل في أراضٍ لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها.
معادلة تهدد منطق الاتفاق
يرى عزيز أن المشكلة تتجاوز الخلاف على ترتيب الخطوات، لتصل إلى تناقض يمكن أن يهدد المنطق السياسي للاتفاق برمته.
فالآلية، بحسب عرضه، كان يفترض أن تقوم على مسار تدريجي ومترابط: تنسحب القوات الإسرائيلية، يوسّع الجيش اللبناني سلطته، يعود السكان، تبدأ عملية إعادة الإعمار، ثم تعالج الدولة مسألة وجود السلاح خارج سلطتها. وكان يفترض بكل خطوة أن تهيئ الظروف للخطوة التالية.
لكن عزيز يعتبر أن ربط إسرائيل استكمال انسحابها بإثبات لبنان سيطرته أولًا يضع الدولة أمام إشكالية أساسية: كيف يُطلب من الجيش فرض سلطته الكاملة على أرض لم يتسلمها بالكامل؟
ومن هنا يصل إلى إحدى الأفكار المركزية في مقاله: إسرائيل تشير إلى سلاح حزب الله لتبرير استمرار وجودها، فيما يستطيع حزب الله الاستناد إلى استمرار الوجود الإسرائيلي لتبرير الاحتفاظ بسلاحه، بينما تجد الدولة اللبنانية نفسها مطالبة بمعالجة أحد طرفي المعادلة من دون امتلاك القدرة على إزالة الطرف الآخر.
نزع السلاح ليس مجرد جمع الأسلحة
ويخصص عزيز جزءًا أساسيًا من مقاله لمقاربة مسألة سلاح حزب الله، معتبرًا أن إنهاء الدور العسكري للحزب لا يمكن اختزاله بعملية جمع الأسلحة.
ويشير إلى أن حزب الله برر ترسانته على مدى سنوات، من بين مبررات أخرى، بالقول إن الدولة غير قادرة على حماية الأراضي اللبنانية أو فرض الانسحاب الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، يرى عزيز أن أي عملية جدية لإنهاء الدور العسكري للحزب يجب أن تعالج هذه الحجة نفسها، من خلال إثبات قدرة مؤسسات الدولة على تحقيق الأمن والسيادة.
ويشدد في الوقت نفسه على أن هذه المقاربة لا تعني منح حزب الله حقًا مفتوحًا في الاحتفاظ ببنية عسكرية مستقلة عن الدولة، بل تهدف، وفق طرحه، إلى جعل انتقال المسؤولية الأمنية إلى الدولة قابلًا للاستمرار سياسيًا واجتماعيًا.
ماذا عن بيئة حزب الله؟
يتناول عزيز أيضًا البعد الاجتماعي والسياسي للقضية، مشيرًا إلى أن حزب الله، إلى جانب الدعم الإيراني الذي ساهم في بناء قدراته العسكرية، أصبح خلال عقود جزءًا من بنى سياسية واجتماعية وخدماتية داخل بيئته.
ومن هنا، يدعو إلى مسار شامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بحيث لا يؤدي إنهاء الاستقلال العسكري للحزب إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار.
وبحسب هذا التصور، يحتاج المقاتل الذي يخرج من تنظيم مسلح إلى مستقبل مدني، كما تحتاج المجتمعات التي اعتمدت على مؤسسات مرتبطة بحزب الله إلى خدمات عامة ودولة فاعلة، فيما تحتاج بلدات الجنوب المتضررة من الحروب إلى إعادة الإعمار وفرص العمل والنشاط الاقتصادي.
ويعتبر عزيز أن المواطنين الذين يُطلب منهم وضع أمنهم حصرًا في يد الدولة يجب أن يكونوا قادرين على رؤية أن هذه الدولة تستطيع بالفعل حمايتهم.
الجيش وإعادة الإعمار في صلب المعادلة
ولا يفصل عزيز المسألة العسكرية عن إعادة الإعمار. فتعزيز سلطة الدولة في الجنوب، وفق مقاربته، لا يتحقق فقط من خلال انتشار الجيش، وإنما يحتاج أيضًا إلى بلديات قادرة على العمل، وتمويل لإعادة الإعمار، وإصلاح اقتصادي ومؤسسات عامة قادرة على توفير الخدمات.
ويرى أن هذه العناصر ليست ملفات إنمائية منفصلة عن الاتفاق الأمني، بل عوامل تحدد ما إذا كان انتقال السلطة من بنى موازية إلى مؤسسات الدولة يمكن أن يستمر.
ومن هنا يعتبر أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ليس مطلبًا دبلوماسيًا منفصلًا عن ملف السلاح، بل أحد الشروط التي تجعل معالجة هذا الملف قابلة للتطبيق سياسيًا.
واشنطن أمام اختبار
ويضع عزيز الولايات المتحدة في موقع أساسي ضمن هذه المعادلة، مستعيدًا زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن في 21 تموز، وما رافقها من تعهدات أميركية بمساعدة لبنان ودعم الجيش.
ويرى أن هذا الدعم يجب أن يتحول إلى مساعدة عسكرية وتدريب ودعم مؤسساتي مستمر، بما يتناسب مع المهمات المطلوبة من الجيش اللبناني، من الانتشار في الأراضي المتنازع عليها وفرض النظام الأمني الجديد إلى تسهيل عودة السكان وتولي مسؤوليات كانت تمارسها قوى أخرى.
لكنه يضيف أن الدور الأميركي لا يقتصر على دعم الجيش. فمن وجهة نظره، تحتاج واشنطن أيضًا إلى استخدام نفوذها لضمان استمرار الانسحاب الإسرائيلي، بدل تحوله إلى خطوة مؤجلة إلى أجل غير محدد ومشروطة بأداء لبنان الداخلي.
"التبادلية" شرط لاستمرار الاتفاق
ويحذر عزيز من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا للهدف المفترض من الاتفاق.
فإذا بدا، بحسب تحليله، أن لبنان قبل التزامات كبيرة فيما بقيت إسرائيل داخل أراضٍ لبنانية واستمرت عملياتها العسكرية، سيتمكن حزب الله من الاستناد إلى ذلك للقول إن التفاوض لم يؤد إلى الانسحاب، وبالتالي لتدعيم حجته بشأن الحاجة إلى استمرار سلاحه.
ويعتبر أن تجنب هذه النتيجة يتطلب تطبيق مبدأ التبادلية عمليًا: لبنان مطالب بتقوية مؤسساته وجيشه وإجراء الإصلاحات ومعالجة السلاح خارج سلطة الدولة ضمن مسار وطني، فيما على الولايات المتحدة مواصلة دعم المؤسسات اللبنانية واستخدام نفوذها لدفع الانسحاب، وعلى إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية بدل استخدام وجودها العسكري أداة للضغط من أجل تحقيق نتائج سياسية داخلية في لبنان.
السلام لا يتناقض مع المطالبة بالانسحاب
وفي الجزء الأخير من مقاله، يعود عزيز إلى مبادرة السلام العربية التي أُقرت في بيروت عام 2002، معتبرًا أن المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل لا ينبغي تفسيرها على أنها رفض للسلام.
ويربط بين السلام الدائم ومعالجة مسألة الاحتلال، معتبرًا أنه لا يمكن بناء لبنان ذي سيادة داخل حلقة دائمة تُستخدم فيها العمليات العسكرية الإسرائيلية لتبرير السلاح خارج الدولة، ثم يُستخدم وجود هذا السلاح بدوره لتبرير استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويخلص عزيز إلى أن الاتفاق أتاح فرصة لكسر هذه الحلقة، لكن نجاحها، وفق رؤيته، يتطلب أن يرى اللبنانيون أن الدولة قادرة على استعادة الأرض بالدبلوماسية، وحمايتهم من خلال المؤسسات الوطنية، وتقديم بديل قابل للاستمرار عن منطق الصراع المفتوح.
No English content for this article.
Aucun contenu en français pour cet article.