من قلب الدوحة، تكشف مشاهد جديدة من داخل كنيسة القديس شربل المارونية عن تقدم الأعمال في صرح يحمل دلالة تتجاوز حدود البناء نفسه، إذ تشكل الكنيسة أول حضور كنسي ماروني من نوعه في منطقة الخليج العربي، في بلد يستضيف جالية لبنانية ومسيحية فاعلة.
فالقديس اللبناني الذي انتشرت صوره ومزاراته وكنائسه في بلدان عدة حول العالم، بات له في قطر صرح يحمل اسمه، في محطة جديدة من مسار رافق فيه الحضور الكنسي الماروني اللبنانيين إلى بلدان الانتشار.
أول كنيسة مارونية في الخليج
بدأت قصة المشروع قبل سنوات. ففي 20 نيسان 2018، وضع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي حجر الأساس لكنيسة القديس شربل ومجمعها في الدوحة، خلال زيارة رعوية إلى قطر، على أرض خصصتها الدولة القطرية للمشروع.
وفي الاحتفال نفسه، وصف النائب الرسولي لشبه الجزيرة العربية آنذاك المطران كاميلو بالين الكنيسة بأنها أول كنيسة مارونية في الخليج. كما تشير مصادر رسمية أميركية تناولت أوضاع الحريات الدينية في قطر إلى أن حجر الأساس لأول كنيسة مارونية في منطقة الخليج وُضع في مجمع مسيمير الديني في نيسان 2018.
وتبلغ مساحة الأرض التي خصصت للمشروع نحو 10 آلاف متر مربع، بحسب ما أوضحه لاحقًا خادم الرعية الأب شربل مهنا، فيما يتجاوز المشروع مبنى الكنيسة ليشمل مرافق رعوية وتعليمية. وكانت التصاميم التي عُرضت عند وضع حجر الأساس تتضمن أيضًا مدرسة تتسع لنحو 600 طالب وديرًا ومكاتب تابعة للكنيسة.
رعية سبقت بناء الكنيسة
الحضور الماروني المنظم في قطر لم يبدأ مع وضع حجر الأساس. فقد أنشئت رعية القديس شربل المارونية سنة 2014 بقرار من البطريرك الراعي، وعُيّن الأب شربل مهنا من الرهبانية المارونية المريمية كاهنًا للرعية.
وفي شباط 2016، أصدرت السلطات القطرية شهادة قيد المنشأة الخاصة بكنيسة القديس شربل المارونية، في خطوة سبقت إطلاق مشروع البناء. واليوم تؤمّن الرعية بصورة منتظمة القداديس بحسب الطقس الماروني أربع مرات أسبوعيًا، إلى جانب الصلوات والنشاطات والأسرار الكنسية.
وهكذا، لا تختصر الكنيسة الجديدة مبنى دينيًا فحسب، بل توفر للجالية مساحة ثابتة للقاء وممارسة حياتها الروحية والاجتماعية، في واحدة من دول الخليج التي استقطبت على مدى العقود الماضية أعدادًا كبيرة من اللبنانيين.
من قطر إلى خريطة مارونية أوسع
لكن قصة قطر ليست منفصلة عن مسار تاريخي أوسع. فالكنيسة المارونية خرجت مع أبنائها من لبنان منذ مراحل مبكرة، وأقامت أبرشيات ورعايا في بلدان عربية عدة، وإن اختلف شكل وجودها وتنظيمها من دولة إلى أخرى.
وفي مصر، على سبيل المثال، يمتد الحضور الماروني المنظم إلى أكثر من قرن. وتضم القاهرة كاتدرائية القديس يوسف المارونية في منطقة الظاهر، التي يعود بناؤها إلى مطلع القرن العشرين، فيما تشمل أبرشية القاهرة المارونية مصر والسودان.
كما للكنيسة المارونية حضور كنسي منظم في سوريا والأردن والأراضي المقدسة، إلى جانب امتداد تاريخي بارز في قبرص. وتظهر خريطة الهيكليات المارونية الحالية أبرشيات في حلب ودمشق واللاذقية، وإكسرخية بطريركية في الأردن، فضلًا عن الهيكليات المارونية في القدس والأراضي المقدسة.
أما في الخليج، فتأخذ التجربة القطرية أهمية خاصة، لأن بناء كنيسة مستقلة تحمل اسم القديس شربل أوجد للمجتمع الماروني صرحًا خاصًا به، بعدما كانت الجماعات المارونية في المنطقة تمارس حياتها الروحية في إطار الكنائس والمجمعات الكاثوليكية المتاحة.
الكنيسة تسافر مع الانتشار
قصة كنيسة القديس شربل في قطر تعكس في النهاية جانبًا من قصة الانتشار اللبناني نفسه. فمع انتقال اللبنانيين إلى مدن ودول جديدة، انتقلت معهم مؤسساتهم وروابطهم الاجتماعية والروحية، وتحولت الكنيسة في الكثير من بلدان الاغتراب إلى مساحة تتجاوز إقامة القداس، لتصبح نقطة لقاء بين أبناء الجالية ومكانًا للحفاظ على روابطهم الثقافية والعائلية.
ومن الدوحة، حيث تتقدم كنيسة القديس شربل نحو مرحلة جديدة، إلى القاهرة وعمّان ودمشق ومدن أخرى، ترسم هذه الرعايا والكنائس جزءًا من خريطة حضور ماروني لم يعد محصورًا بلبنان.
وفي قطر تحديدًا، تحمل الكنيسة رمزية إضافية: صرح باسم قديس لبناني، هو الأول من نوعه للموارنة في الخليج، نشأ لخدمة جماعة حملت معها إلى بلد الاغتراب جزءًا من هويتها وتقاليدها.
لمشاهدة مشاهد من داخل كنيسة القديس شربل في الدوحة، انقر هنا.
No English content for this article.
Aucun contenu en français pour cet article.