سبع سنوات تفصل بين 17 تشرين الأول 2019 في لبنان و17 تشرين الأول 2026 في فرنسا. التاريخ نفسه، والمشاهد التي تعيد إلى الذاكرة الحشود والطرقات المقطوعة والمواجهات مع القوى الأمنية. لكن هل يتوقف التشابه عند حدود الصورة، أم أن ما يجري يطرح أسئلة أعمق عن الجهات التي تستثمر في الغضب الشعبي، وعن الأهداف السياسية التي قد تتجاوز الشعارات المعلنة؟
لبنان 2019: ثورة أم توظيف سياسي للشارع؟
في لبنان، لم يكن 17 تشرين الأول 2019 مجرد محطة عابرة في الحياة السياسية. فقد شكّل نقطة تحوّل في مسار البلاد، وأطلق مرحلة من الاضطرابات والتجاذبات السياسية والاقتصادية التي لا تزال تداعياتها موضع نقاش حتى اليوم.
وبينما رأى فيه مؤيدوه انتفاضة ضد الطبقة السياسية والفساد، اعتبر منتقدوه أن التحرك تحوّل إلى أداة لتصفية حسابات سياسية وإضعاف مؤسسات الدولة، وأن بعض الجهات استثمرت في الشارع لتحقيق أهداف لم تكن مرتبطة مباشرة بالمطالب التي رفعتها الحشود.
والمفارقة أن شرارة 17 تشرين انطلقت من اقتراح فرض رسم يومي بقيمة 20 سنتًا على الاتصالات عبر تطبيقات الإنترنت، وفي مقدّمها واتساب، قبل أن تتوسّع التحركات إلى قطع الطرقات وشلّ الحركة الاقتصادية. وفي خضمّ هذه الأحداث، أغلقت المصارف أبوابها بذريعة الظروف الأمنية، ثم أعادت فتحها لتفرض قيودًا على السحوبات والتحويلات، بينما تمكّن بعض أصحاب الحسابات من تحويل أموالهم إلى الخارج.
وفي المقابل، وجد مئات آلاف المودعين أنفسهم عاجزين عن استعادة مدّخراتهم، بعدما تحوّلت الأزمة المالية والمصرفية إلى واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على ودائع الناس في تاريخ لبنان. ولم تكن هذه الخسائر نتيجة الاحتجاجات وحدها، بل حصيلة سياسات وقرارات مالية ونقدية ومصرفية راكمت المخاطر لسنوات، قبل أن يتحمّل المواطنون الكلفة الأكبر للانهيار.
ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال لا يزال حاضرًا بعد سبع سنوات: هل كانت نتائج 17 تشرين في لبنان مجرد انعكاس لأزمة اقتصادية وسياسية متراكمة، أم أن توظيف التحركات ساهم في تعميق الانهيار وتسريع تفكك مؤسسات الدولة؟
فالانهيار المالي اللبناني لم يبدأ في تشرين الأول 2019، إذ سبقته اختلالات مالية ونقدية واقتصادية عميقة. غير أن ذلك لا يلغي ضرورة البحث في تأثير الاضطرابات السياسية وإقفال الطرقات وتعطيل النشاط الاقتصادي، وفي الجهات التي استفادت من تبدّل موازين القوى خلال تلك المرحلة.
فرنسا 2026: لماذا انفجر الشارع الآن؟
اليوم، يعود السؤال بصيغة مختلفة من فرنسا.
ففي 17 تشرين الأول 2026، شهدت مدن فرنسية تظاهرات واسعة رُفعت خلالها مطالب مرتبطة بالقدرة الشرائية والخدمات العامة والتعليم. لكن المشهد سرعان ما تجاوز في بعض المناطق حدود التعبير السلمي، مع تسجيل مواجهات عنيفة وحرائق واعتداءات على مؤسسات عامة ومحال تجارية.
وفي باريس، تحوّلت أجزاء من العاصمة إلى ساحات مواجهة، فيما شهدت مدن أخرى، بينها ليون ومرسيليا وليموج، أعمال تخريب وحرائق طالت مباني ومرافق عامة.
وشارك مئات الآلاف في التحركات، فيما اتهمت السلطات الفرنسية مجموعات متطرفة بالمشاركة في أعمال العنف. لكن هذه الاتهامات، وإن كانت تطرح أسئلة جدية بشأن تنظيم المواجهات، لا تكفي وحدها لإثبات وجود خطة سياسية موحّدة خلف الحركة الاحتجاجية.
هنا تبدأ الأسئلة التي تتجاوز المشهد الأمني: لماذا اتسعت التعبئة الفرنسية في هذا التوقيت تحديدًا؟ ومن نجح في تحويل دعوات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى تحركات شملت مدنًا عدة؟ وهل كانت المطالب الاقتصادية وحدها كافية لتفسير مستوى العنف الذي شهدته بعض المناطق؟
من المطالب المعيشية إلى الصراع على السلطة
تزداد أهمية هذه الأسئلة مع اقتراب فرنسا من استحقاقها الرئاسي عام 2027، وفي ظل احتدام التنافس بين القوى السياسية وتصاعد الخلافات حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
فالشارع، في مثل هذه الظروف، لا يبقى بالضرورة مساحة للتعبير عن المطالب فحسب، بل قد يتحول أيضًا إلى عنصر ضغط على السلطة، ووسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى أو إضعاف الخصوم السياسيين.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين في التظاهرات يتحركون وفق أجندة واحدة، أو أن المطالب الاجتماعية غير حقيقية. إنما يفرض التمييز بين أسباب الغضب لدى المواطنين، والجهات التي تتولى التعبئة والتنظيم، والمجموعات التي تنتقل إلى العنف، والأطراف السياسية التي تحاول الاستفادة من النتائج.
من بيروت إلى باريس: هل تتشابه أدوات التحريك؟
وهنا تبرز المقارنة مع لبنان، لا بوصفها مساواة بين تجربتين مختلفتين، بل باعتبارها مدخلًا إلى فهم آليات توظيف الشارع.
ففي الحالتين، تبرز أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الدعوات وتوسيع نطاق المشاركة، كما يطرح انتقال بعض التحركات إلى المواجهات سؤالًا بشأن قدرة المنظمين على ضبطها، أو احتمال وجود مجموعات تتحرك بأهداف مختلفة عن أهداف المشاركين الآخرين.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى: هل توجد جهات أو شبكات سياسية عابرة للحدود تعمل على استثمار الأزمات الاجتماعية لإحداث تغييرات سياسية في أكثر من دولة؟
حتى الآن، لا تتوافر أدلة موثوقة تثبت وجود مشروع واحد يربط تحركات لبنان عام 2019 بالأحداث الفرنسية عام 2026. كما أن التشابه في بعض أساليب التعبئة أو مشاهد المواجهات لا يشكّل بحد ذاته دليلًا على وحدة التنظيم أو التمويل أو الأهداف.
مشروع واحد أم تشابه في استثمار الفوضى؟
إن غياب الدليل على مشروع مشترك لا يلغي أهمية التحقيق في مصادر التمويل، وشبكات التعبئة، ودور التنظيمات السياسية، والجهات المستفيدة من تصاعد الفوضى، ولا سيما عندما تتجاوز الأحداث الاحتجاج على السياسات العامة إلى استهداف المؤسسات والممتلكات.
في لبنان، لا تزال المسؤوليات عن الانهيار الاقتصادي والمالي موضع خلاف ومحاسبة لم تكتمل. وفي فرنسا، لم تتضح بعد جميع التداعيات السياسية والأمنية للتحركات الأخيرة.
وبين التجربتين، يبقى الدرس الأهم أن الشعارات المعلنة لا تكفي وحدها لفهم أي حركة احتجاجية، مثلما لا تكفي مشاهد العنف للحكم على جميع المشاركين فيها.
من بيروت إلى باريس، لا يكمن السؤال فقط في أسباب نزول الناس إلى الشارع، بل في من ينظّم، ومن يوجّه، ومن يستثمر، ومن يدفع الثمن عندما تتحول المواجهة السياسية إلى فوضى.
أما ما إذا كان هناك مشروع واحد يجمع التجربتين، فهو سؤال مشروع للتحقيق، لكن الإجابة عنه تحتاج إلى وثائق وأدلة وروابط فعلية، لا إلى تشابه التواريخ والصور وحده.
No English content for this article.
Sept années séparent le 17 octobre 2019 au Liban du 17 octobre 2026 en France. Une même date, des images qui rappellent les foules, les routes bloquées et les affrontements avec les forces de l’ordre. Mais les similitudes s’arrêtent-elles aux apparences, ou ces événements soulèvent-ils des interrogations plus profondes sur les acteurs qui exploitent la colère populaire et sur les objectifs politiques susceptibles de dépasser les revendications affichées ?
Liban 2019 : révolution ou instrumentalisation politique de la rue ?
Au Liban, le 17 octobre 2019 n’a pas été un simple épisode de la vie politique. Il a marqué un tournant dans l’histoire du pays, ouvrant une période de troubles et de tensions politiques et économiques dont les conséquences continuent, aujourd’hui encore, de susciter le débat.
Si ses partisans y ont vu un soulèvement contre la classe politique et la corruption, ses détracteurs ont estimé que le mouvement s’était transformé en instrument de règlement de comptes politiques et d’affaiblissement des institutions de l’État. Selon eux, certains acteurs auraient exploité la mobilisation populaire pour poursuivre des objectifs qui dépassaient largement les revendications initialement exprimées par les manifestants.
Paradoxalement, l’étincelle du 17 octobre a été une proposition visant à instaurer une taxe quotidienne de 20 centimes de dollar sur les appels effectués via les applications Internet, notamment WhatsApp. Le mouvement s’est ensuite rapidement étendu, entraînant des blocages routiers et une paralysie d’une partie de l’activité économique. Dans ce contexte, les banques ont fermé leurs portes en invoquant des raisons de sécurité, avant de rouvrir en imposant des restrictions sur les retraits et les transferts bancaires, tandis que certains titulaires de comptes parvenaient à transférer leurs fonds à l’étranger.
Dans le même temps, des centaines de milliers de déposants se sont retrouvés dans l’impossibilité de récupérer leurs économies. La crise financière et bancaire s’est ainsi transformée en l’une des plus importantes opérations de captation des dépôts bancaires de l’histoire du Liban. Ces pertes ne résultaient toutefois pas uniquement des manifestations, mais aussi de politiques et de décisions financières, monétaires et bancaires qui avaient accumulé les risques pendant des années, avant que les citoyens ne supportent l’essentiel du coût de l’effondrement.
Dans ce contexte, une question demeure, sept ans plus tard : les conséquences du 17 octobre au Liban n’ont-elles été que le reflet d’une crise économique et politique déjà profonde, ou l’instrumentalisation des mobilisations a-t-elle contribué à aggraver l’effondrement et à accélérer l’affaiblissement des institutions de l’État ?
La crise financière libanaise n’a, en effet, pas commencé en octobre 2019. Elle était précédée de déséquilibres financiers, monétaires et économiques structurels. Cela n’exclut cependant pas la nécessité d’examiner les conséquences des troubles politiques, des barrages routiers et de la paralysie de l’activité économique, ainsi que le rôle des acteurs ayant bénéficié des changements de rapports de force durant cette période.
France 2026 : pourquoi la rue s’embrase-t-elle maintenant ?
Aujourd’hui, la question se pose sous une autre forme en France.
Le 17 octobre 2026, plusieurs villes françaises ont été le théâtre d’importantes manifestations portant sur le pouvoir d’achat, les services publics et l’éducation. Mais, dans certaines zones, les rassemblements ont rapidement dépassé le cadre de la protestation pacifique, avec des affrontements violents, des incendies et des attaques contre des bâtiments publics et des commerces.
À Paris, plusieurs secteurs de la capitale se sont transformés en lieux de confrontation, tandis que d’autres villes, notamment Lyon, Marseille et Limoges, ont été marquées par des actes de vandalisme et des incendies touchant des bâtiments et des équipements publics.
Des centaines de milliers de personnes ont participé aux mobilisations, tandis que les autorités françaises ont accusé des groupes extrémistes d’avoir pris part aux violences.
Toutefois, si ces accusations soulèvent de sérieuses interrogations sur l’organisation des affrontements, elles ne suffisent pas, à elles seules, à démontrer l’existence d’un plan politique unifié derrière le mouvement.
C’est ici que commencent les questions dépassant la seule dimension sécuritaire : pourquoi la mobilisation française a-t-elle pris une telle ampleur à ce moment précis ? Qui est parvenu à transformer des appels diffusés sur les réseaux sociaux en manifestations organisées dans plusieurs villes ? Et les revendications économiques suffisent-elles à expliquer le niveau de violence observé dans certaines régions ?
Des revendications sociales à la lutte pour le pouvoir
Ces interrogations prennent une importance particulière à l’approche de l’élection présidentielle française de 2027, dans un contexte de concurrence politique accrue et de tensions autour des politiques économiques et sociales.
Dans de telles circonstances, la rue ne constitue pas nécessairement un simple espace d’expression des revendications. Elle peut également devenir un moyen de pression sur le pouvoir, un instrument de recomposition des rapports de force ou une manière d’affaiblir des adversaires politiques.
Cela ne signifie pas que tous les manifestants poursuivent un même agenda, ni que les revendications sociales sont dépourvues de fondement. Il convient néanmoins de distinguer les raisons de la colère des citoyens, les acteurs chargés de la mobilisation et de l’organisation, les groupes qui basculent dans la violence et les forces politiques qui cherchent à tirer profit des événements.
De Beyrouth à Paris : les méthodes de mobilisation se ressemblent-elles ?
C’est dans cette perspective que la comparaison avec le Liban prend tout son sens, non pas pour assimiler deux expériences différentes, mais pour comprendre les mécanismes possibles d’instrumentalisation de la rue.
Dans les deux cas, les réseaux sociaux jouent un rôle important dans la diffusion des appels et l’élargissement de la mobilisation. Le passage de certains rassemblements aux affrontements soulève également la question de la capacité des organisateurs à maîtriser les événements, ou de la présence éventuelle de groupes poursuivant des objectifs distincts de ceux des autres participants.
Mais la question la plus sensible demeure : existe-t-il des acteurs ou des réseaux politiques transnationaux qui exploitent les crises sociales afin de provoquer des changements politiques dans plusieurs pays ?
À ce stade, aucun élément probant ne permet d’établir l’existence d’un projet unique reliant les mobilisations libanaises de 2019 aux événements français de 2026. Les similitudes dans certaines méthodes de mobilisation ou dans les scènes d’affrontements ne constituent pas, en elles-mêmes, la preuve d’une organisation, d’un financement ou d’objectifs communs.
Un même projet ou une instrumentalisation comparable du chaos ?
L’absence de preuve d’un projet commun ne diminue en rien l’importance d’enquêter sur les sources de financement, les réseaux de mobilisation, le rôle des organisations politiques et les acteurs susceptibles de tirer profit de l’escalade des violences, notamment lorsque les événements dépassent la contestation des politiques publiques pour viser les institutions et les biens.
Au Liban, les responsabilités dans l’effondrement économique et financier demeurent au cœur de controverses, tandis que les procédures visant à établir les responsabilités sont loin d’être achevées. En France, toutes les conséquences politiques et sécuritaires des récentes mobilisations ne sont pas encore connues.
Entre ces deux expériences, une conclusion s’impose : les slogans affichés ne suffisent pas, à eux seuls, à comprendre un mouvement de contestation, tout comme les images de violence ne permettent pas de porter un jugement sur l’ensemble de ses participants.
De Beyrouth à Paris, la question ne réside donc pas uniquement dans les raisons qui poussent les citoyens à descendre dans la rue, mais aussi dans l’identité de ceux qui organisent, orientent et exploitent les mobilisations, et dans celle de ceux qui en paient le prix lorsque la confrontation politique dégénère en chaos.
Quant à savoir si un même projet relie les deux expériences, la question mérite d’être examinée. Mais y répondre exige des documents, des preuves et des liens concrets, et non la simple ressemblance des dates et des images.